عبد الإله بن سلمان بن سالم الأحمدي
153
المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة
فإن قيل كيف يريد اللّه أمرا ولا يرضاه ولا يحبه ؟ وكيف يشاؤه ويكونه ؟ وكيف يجمع إرادته له وبغضه وكراهته ؟ . قيل : هذا السؤال هو الّذي افترق الناس لأجله فرقا ، وتباينت طرقهم وأقوالهم فاعلم أن المراد نوعان : مراد لنفسه ، ومراد لغيره . فالمراد لنفسه مطلوب محبوب لذاته وما فيه من الخير فهو مراد إرادة الغايات والمقاصد . والمراد لغيره ، قد لا يكون مقصودا لما يريد ولا فيه مصلحة له بالنظر إلى ذاته ، وإن كان وسيلة إلى مقصوده ومراده ، فهو مكروه له من حيث نفسه وذاته ، مراد له من حيث قضاؤه وإيصاله إلى مراده . فيجتمع الأمران : بغضه وإرادته ، ولا يتنافيان ، لاختلاف متعلقهما . وهذا كالدواء الكريه ، إذا علم المتناول له أن فيه شفاءه ، وقطع العضو المتآكل ، إذا علم أن في قطعه بقاء جسده ، وكقطع المسافة الشاقة إذا علم أنها توصل إلى مراده ومحبوبه . بل العاقل يكتفى في إيثار هذا المكروه وإرادته بالظن الغالب ، وإن خفيت عنه عاقبته فكيف ممن لا يخفى عليه خافية فهو سبحانه يكره الشيء ولا ينافي ذلك إرادته لأجل غيره ، وكونه سببا إلى أمر هو أحب إليه من فوقه . من ذلك : أنه خلق إبليس الّذي هو مادة لفساد الأديان والأعمال والاعتقادات والإرادات ، وهو سبب لشقاوة كثير من العباد وعملهم بما يغضب الرب سبحانه تبارك وتعالى ، وهو الساعي في وقوع خلاف ما يحبه اللّه ويرضاه . ومع هذا فهو وسيلة إلى محاب كثيرة للرب تعالى ترتبت على خلقه ، ووجودها أحب إليه من عدمها : منها : أنه يظهر للعباد قدرة الرب تعالى على خلق المتضادات المتقابلات ، فخلق هذه الذات ، التي هي أخبث الذوات وشرها وهي سبب كل شر ، في
--> ولا يرضاها ولا يأمر بها بل يبغضها ويسخطها ويكرهها وينهى عنها » . وهذا قول السلف قاطبة . . . والمحققون من أهل السنة يقولون : « الإرادة في كتاب اللّه نوعان : إرادة قدرية كونية خلقية وإرادة دينية أمرية شرعية ، فالإرادة الشرعية هي المتضمنة للمحبة والرضى ، والكونية هي المشيئة الشاملة لجميع الموجودات » . ا ه . شرح العقيدة الطحاوية ص : 116 . وانظر : أدلة القسمين ص : 114 ، 277 - 278 ، 505 - 506 . ولمزيد من التفصيل حول نوعي الإرادة انظر : كتاب الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان لابن تيمية ص : 121 - 126 ، مجموع الفتاوى له : 8 / 440 - 441 .